مدرسة الإمام الخالصي تُحيي الذكرى السنوية لشهادة الإمام الخالصي الكبير… استذكارٌ لمسيرة الجهاد والسيادة في الكاظمية المقدسة
الكاظمية المقدسة – 3 آذار 2026م
في أجواءٍ رمضانيةٍ مفعمةٍ بالإيمان والوفاء، أحيت مدرسة الإمام الخالصي في مدينة الكاظمية المقدسة الذكرى السنوية لشهادة الإمام المجاهد الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير (رضوان الله تعالى عليه)، في احتفالٍ حاشدٍ استُحضرت فيه سيرةُ عالمٍ قاد الجهاد، وصاغ مشروع السيادة، وترك بصمته في تاريخ العراق الحديث.
وجاءت هذه المناسبة استذكارًا لسيرة علماء العراق العاملين، وتجديدًا للعهد مع مدرسةٍ جمعت بين البيان والموقف، وبين الفقه والجهاد، فجعلت من هذه المدينة منارةً للوعي والوحدة في مواجهة الاحتلال والاستبداد.
افتتاح الحفل… مدرسةٌ جامعة للكلمة والموقف
استُهلّ الحفل بتلاوة آياتٍ من الذكر الحكيم، تلاها القارئ الأستاذ عقيل صادق الجبوري، فعمّ السكون والخشوع أرجاء المجلس، وتجلّت معاني الذكر في قلوب الحاضرين.
ثم ألقى الشيخ الدكتور علي الجبوري كلمته الافتتاحية، مرحِّبًا بالحضور، ومشيدًا بمدرسة الإمام الخالصي بوصفها ملتقىً لأبناء العراق بمختلف أطيافهم ومناطقهم، ومؤكدًا أنها لم تكن يومًا إطارًا ضيقًا أو عنوانًا فئويًا، بل منبرًا جامعًا للكلمة، وحاضنةً للعلم والموقف.
وأشار إلى أن الإمام الخالصي الكبير كان «رجلًا ليس كالرجال»، وقف في وجه الاحتلال والاستبداد كالجبل الراسخ، وتعرّض للمحن والتهجير والمنافي دون أن يبدّل أو يغيّر، مدافعًا عن وطنه، مبيّنًا أحكام الله بشجاعة، حتى ختم مسيرته شهيدًا مظلومًا مسمومًا.
وأوضح أن المدرسة التي أسسها الفقيد على التقوى، ما زالت تحمل شعار المقاومة، وترفض الظلم والديكتاتورية، وتدعو إلى وحدة أبناء الأمة تحت راية الإسلام. وختم بالدعاء أن يبارك الله هذا الجمع في شهر رمضان المبارك، وأن يعجّل بالفرج للأمة والمجاهدين، وأن تبقى المدرسة منارةً للعلم والوحدة والثبات.
الشيخ محمد قاسم الخالصي: ستة مبادئ للسيادة… وقرنٌ من أنصاف الحلول
أكد سماحة الشيخ محمد قاسم الخالصي أن مدرسة الإمام الخالصي الكبير قامت على مشروعٍ متكامل للجهاد والاستقلال، وأن أزمتنا المعاصرة تعود إلى التفريط بتلك الأسس والقبول بأنصاف الحلول.
واستعرض سماحته سيرة الإمام بوصفه أحد أبرز قادة مقاومة الاحتلال البريطاني وثورة العشرين، مبينًا أن قراءة تاريخه ليست استذكارًا عاطفيًا، بل واجبًا قرآنيًا لفهم الحاضر ورسم المستقبل. وأوضح أن مدرسته لم تكن مجرد مؤسسة علمية، بل امتدادًا لدور المسجد النبوي كمركزٍ للقيادة والتشريع والتخطيط الاجتماعي والسياسي.
وبيّن أن مشروع الإمام الخالصي الكبير ارتكز على ستة مبادئ أساسية، في مقدمتها: الاستقلال الناجز غير المنقوص للعراق، وتقييد الحاكم بمجلس دستوري خاضع لإشراف شرعي، والتحكم بالموارد الاقتصادية لخدمة الجهاد، وتحقيق الاكتفاء الذاتي تحت شعار “غذاؤك، دواؤك، سلاحك”، فضلاً عن منهج إصلاح ديني يضمن استقلال العلماء عن الحاكم والمحتل، ووحدة الصفّ بوصفها ضمانة السيادة.
وأشار إلى أن قبول بعض قادة ثورة العشرين بالتسويات الجزئية أضاع فرصةً تاريخية للاستقلال الحقيقي، فيما نجحت تجارب أخرى لأنها تمسكت بالمشروع كاملًا حتى نهايته. وختم بالتأكيد على أن الأمة أضاعت قرنًا من الزمن بين احتلالٍ بريطاني وآخر أمريكي، داعيًا إلى مراجعة جادة تعيد الاعتبار لمبادئ السيادة والوحدة والاكتفاء الذاتي.
الشيخ قاسم الكعبي: الإمام الخالصي جمع بين العلم والجهاد في مواجهة الاحتلال
أكد سماحة الشيخ قاسم الكعبي، عن حوزة النجف الأشرف، أن الإمام الخالصي مثّل نموذجًا فريدًا جمع بين العلم والجهاد والموقف السياسي الصريح، وأن العلماء العاملين كانوا – عبر التاريخ – رأس حربة في قيادة الأمة وصناعة مشروعها التحرري.
وأوضح أن الإسلام مشروع عملي لا يُختزل في التنظير، وأن الخطأ في التطبيق لا يُنسب إلى الشريعة بل إلى الأشخاص، مشددًا على أن العالم الحق هو من يوظف علمه في خدمة وحدة المسلمين ومواجهة الظلم.
وأشار إلى مواقف الإمام الخالصي الحازمة في اشتراط الاستقلال التام للعراق ورفض التدخل الأجنبي، حتى عزله للملك فيصل الأول حين خالف الشروط التي وُضعت. كما بيّن أن إقصاء العلماء عن الشأن السياسي آنذاك أسّس لحالة عزوف أضعفت حضور الحوزة في إدارة الشأن العام.
الشيخ محمود العاني: الإمام الخالصي جسّد فقه القوة والوحدة… والعالم مسؤول عن جمع الكلمة لا تمزيقها
أكد رئيس مجلس علماء العراق، الشيخ محمود عبدالعزيز العاني، أن الإمام الخالصي جسّد فقه القوة والوحدة، وأدرك أن إعداد القوة يبدأ من جمع الكلمة قبل ميادين المواجهة.
وأشار إلى أن أول أسباب القوة هي الوحدة، وأن التنازع يفضي إلى الفشل وذهاب الريح، كما حذّر القرآن الكريم، مؤكدًا أن التشظي والانقسام أخطر ما يهدد الأمة، وأن التعاون والتآزر أساس استعادة الكرامة.
وشدد على أن العالم مسؤول عن جمع الكلمة لا تمزيقها، وأن السير في درب الجهاد ووحدة الأمة هو امتدادٌ لرسالة الشهداء الذين وصفهم القرآن بأنهم أحياءٌ عند ربهم يُرزقون.
الكلمة الشعرية… وفاءٌ يتجدد
تخلّل الحفل عددٌ من المشاركات الشعرية التي جسّدت معاني الوفاء والجهاد:
الشيخ عبد الأمير الكيلاني: وحدة الأمة سلاح التحرر… والإمام الخالصي قاد نهضة الوعي في وجه الاستعمار
أكد سماحة الشيخ عبد الأمير الكيلاني، ممثل مؤسسة العراق للحوار والتقريب، أن الإمام الخالصي قاد نهضة الوعي في وجه الاستعمار، الذي لم يكن “تعميرًا” كما زعم، بل مشروعًا لتفريق الأمة ونهب ثرواتها.
وأوضح أن المواجهة لم تكن بالسلاح وحده، بل بالعلم والوعي، وأن الفقيد الخالصي أدرك خطورة التفرقة الطائفية، فدعا إلى الاعتصام بحبل الله وجمع الكلمة في سبيل استعادة السيادة.
وانتقد سماحته بعض الأصوات التي حاربت مظاهر التقدم باسم الدين، معتبرًا أن الجهل كان سببًا في تعطيل مسيرة التطور، مقابل علماء الوحدة الذين فهموا روح الشريعة ومقاصدها، فكانوا جسورًا بين الأصالة والتجديد.
وأكد أن الإمام الخالصي مثّل نموذج “العالم الفطن” الذي يقود المجتمع إلى الخير، وأن مدرسته الجهادية والإصلاحية ما زالت ممتدة في ذريته وتلامذته، حاملةً مشروع الوحدة والتقريب في مواجهة التفرقة والاستعمار بأشكاله الجديدة.
المرجع الشيخ جواد الخالصي: معركة الأمة واحدة… والعلماء في طليعة المواجهة
في كلمته المركزية، أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله) أن إحياء هذه الذكرى ليس احتفالًا شخصيًا، بل محطةً لتجديد العهد على نهج العلماء المجاهدين، واستحضار دورهم في قيادة الأمة وصون هويتها في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار.
واستحضر سماحته أبياتًا للملا عبود الكرخي في رثاء الإمام الخالصي، مبينًا أن افتخاره بجده إنما هو افتخارٌ بكل علماء الجهاد والإصلاح الذين حملوا لواء المواجهة في وجه الاحتلال والانحراف كالميرزا الشيرازي، والسيد الحيدري، والسيد الحبوبي وغيرهم، وأن معيار الموقف هو الحقّ الذي يُحمل، لا القرابة ولا المصلحة.
وشدد على أن أخطر ما يصيب الأمة أن ينعزل علماؤها عن قضاياها المصيرية، مؤكدًا أن وظيفة العالم تتجاوز التدريس إلى الحضور الفاعل في الميدان، واحتواء المجتمع، والدفاع عن قضاياه الكبرى.
واعتبر أن ما تشهده المنطقة من أحداث، ولا سيما العدوان على الجمهورية الإسلامية، هو امتدادٌ لمعركة حضارية بين مشروعٍ إسلامي يحمل راية العدالة، ومشروع هيمنة يسعى لفرض الفوضى، مؤكّدًا أن دماء الشهداء، وفي طليعتهم قادة المقاومة، تمثل ضمانة النصر وبذرة الفتح.
وختم بالدعوة إلى الالتفاف حول العلماء المجاهدين، والسير في دربهم بثباتٍ ويقين، مؤكدًا أن راية الإسلام – مهما اشتدت العواصف – ستبقى خفّاقة حتى يأذن الله بالفرج والفتح المبين.