المرجع الخالصي يؤكد أن شهر رمضان شهر الوحدة ومواجهة الهيمنة… ويحذر من مخططات إشعال الحروب بين أفغانستان وباكستان وإعادة فتنة العراق والكويت
الكاظمية المقدسة – المكتب الإعلامي
أكد المرجع الديني الشيخ جواد الخالصي (دام ظله)، في خطبتي صلاة الجمعة بمدينة الكاظمية المقدسة بتاريخ 9 شهر رمضان المبارك 1447هـ الموافق لـ 27 شباط 2026م، أن شهر رمضان يمثل محطةً كبرى لتعزيز الوعي القرآني ووحدة الأمة في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار، محذرًا من مخططات إشعال الفتن بين الدول الإسلامية، ولا سيما ما يجري بين أفغانستان وباكستان وما يُثار بشأن العراق والكويت، معتبراً أن هذه الأزمات تُدار ضمن سياقات تخدم أعداء الأمة وتمهد لتفتيتها وإشغالها بصراعات داخلية.
وشدد سماحته على ضرورة وعي الأمة وقادتها بهذه المخططات والعمل على وقف الحروب ومنع الاقتتال الداخلي، ورفض كل أشكال الاحتراب بين المسلمين، داعيًا إلى توحيد الصف ونصرة قضايا الأمة وفي مقدمتها فلسطين.
الخطبة الأولى: شهر رمضان شهر القرآن ونهضة الأمة في مواجهة الهيمنة
استهلّ المرجع الخالصي خطبته الأولى بالحديث عن شهر رمضان المبارك، لاسيما مع حلول الجمعة الثانية منه، مؤكدًا أهمية إحياء هذا الشهر العظيم بوعيٍ وبصيرة، من خلال قراءة القرآن الكريم وإكمال الدورة القرآنية فيه، وربط المناسبات التاريخية التي يحتضنها هذا الشهر بواقع الأمة ومسؤولياتها.
استحضار مناسبات رمضان ودروس الصبر والجهاد
وأشار سماحته إلى جملة من المناسبات الرمضانية، ومنها ذكرى وفاة شيخ البطحاء أبي طالب، ووفاة أم المؤمنين السيدة خديجة (عليها السلام)، بوصفها من آثار حصار شِعب أبي طالب، وما تمثله من دليلٍ على حجم المعاناة التي عاشها المسلمون الأوائل والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في سبيل إيصال الرسالة، مبينًا أن استذكار هذه المحطات ينبغي أن يدفع الأمة إلى تحمّل مسؤولياتها في نصرة الدين والثبات على المبادئ.
كما تطرق إلى مناسبات ولادة الإمام الحسن (عليه السلام)، ومعركتي بدر وخيبر، واستشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذكرى فتح مكة، وتحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين، معتبرًا أن هذه الوقائع التاريخية تمثل دروسًا عملية في الصبر والجهاد والوحدة وتحقيق النصر بعد المحنة.
مدرسة الشيخ الخالصي ونهضة الأمة في مواجهة الاستعمار
وتوقف سماحته عند الذكرى الخاصة بوفاة جده الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير، مستعرضًا دوره في التركيز على نهضة الأمة ووحدة أبنائها، بالتعاون مع المراجع والعلماء، ومجابهة المخططات الأجنبية بمختلف أبعادها، والعمل على تحقيق الاستقلال ورفض الخضوع لقوى الكفر العالمي، واصفًا المتصدين للهيمنة على العالم بأنهم «وحوش كاسرة» لا يتورعون عن البطش بالشعوب.
وأكد أن ما ورد في مذكرات والده المرحوم الشيخ محمد الخالصي «في سبيل الله» يكشف حجم القسوة التي تعاملت بها تلك القوى مع شعوب العراق ومصر وبلاد المسلمين وفلسطين، وما ارتُكب من جرائم كبرى وفضائح تاريخية، مشددًا على ضرورة قراءة هذا التاريخ بوعي لفهم طبيعة المواجهة القائمة.
وختم سماحته الخطبة الأولى بالتأكيد على أن شهر رمضان فرصة كبرى للتزكية والثبات والعمل الصالح، ولمواجهة الظالمين ومحاربة أعداء الدين وجمع الكلمة وتوحيد الأمة، داعيًا كل جهة وكل فرد غيور على الحق إلى الاستمرار في هذا النهج دفاعًا عن الدين الحنيف.
الخطبة الثانية: تحذير من إشعال الفتن بين المسلمين… أفغانستان وباكستان نموذجًا، والعراق والكويت درسًا
وفي الخطبة الثانية، ركّز المرجع الخالصي على خطورة الفتن التي تُثار بين المسلمين، مستعرضًا ما يجري بين أفغانستان وباكستان من توترات وتصعيد عسكري، رغم كونهما بلدين مسلمين متجاورين ومتداخلين.
وأوضح أن ما يحصل من عمليات إرهابية وتفجيرات خطيرة تقوم بها جهات مسخّرة من أطراف أجنبية، يقابلها ردود غير منضبطة وقصف شديد طال مناطق مختلفة في أفغانستان، بما فيها أماكن مدنية، مشيرًا إلى أن القصف المتبادل والتمهيد لصراع طويل الأمد ليس إلا جزءًا من مخطط فتنة يستهدف إشعال المنطقة.
وبيّن سماحته أن هذا المخطط يشبه ما أريد إثارته سابقًا باسم الطائفية بين إمارة أفغانستان الإسلامية – بعد تحريرها من الأمريكيين – وبين الجمهورية الإسلامية في إيران، في وقت كان المفترض فيه أن يسود التقارب والتعاون، وهو ما دعا إليه سماحته (دام ظله) مرارًا. وأشار إلى أن حكمة القيادة في أفغانستان واستجابتها لدعوات التعاون أدت إلى درجة من التقارب، حتى صرّح القادة هناك بالوقوف إلى جانب إيران في مواجهة أي هجوم أمريكي، وهو ما أقلق الغرب وعملاءه.
وأضاف أن القوى المعادية سعت بعد ذلك إلى تحريض الأذناب هنا وهناك لإشعال صراع بين أفغانستان وباكستان، وإدخال الشعبين في دوامة اقتتال يخدم مصالح الصهاينة، لافتًا إلى أن الأخبار الواردة صباح الجمعة عن اشتعال الحرب بهجوم بري من طرف وجوي من آخر، تعكس خطورة المرحلة، مما يطمئن الصهاينة إلى أن هذين البلدين لن يقفا مع الجمهورية الإسلامية فيما لو شنّت عليها الحرب.
ودعا سماحته القادة المخلصين والعلماء المجاهدين في تلك البلدان إلى الانتباه لهذا المخطط، كما دعا إلى إدانة كل مشاريع الفتنة، سواء رُفعت تحت عنوان مكافحة الإرهاب أو الصراع الإقليمي أو غيره، معتبرًا ذلك درسًا كبيرًا للأمة.
العراق والكويت… صراعات صنعتها الحدود الاستعمارية
وانتقل المرجع الخالصي إلى ملف العراق والكويت، مستعرضًا الخلفيات التاريخية لشعار «الكويت قضاء سليب»، وأن التاريخ يذكر أن الكويت كانت قضاءً تابعًا لمحافظة البصرة، وما رافقه من صراعات سياسية، وما قيل عن محاولات إرجاع الكويت إلى العراق في سياق الاتحاد العربي الهاشمي، مقابل مواجهة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، وما أعقب ذلك من انقلابات وقتل وسحل في الشوارع، مبينًا أن هذه النظريات مطروحة وفيها دلائل، دون تبنٍّ لها أو نقض.
وأكد أن احتلال الكويت في زمن النظام السابق كان جريمة استُنكرَت، كما استُنكر ما تلاها من دخول قوات أجنبية ثم احتلال العراق، موضحًا أن الإيمان بوحدة الأمة الإسلامية – من العراق والكويت وسوريا ومصر وإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان وسائر بلدان الجزيرة – لا يعني القبول بإراقة الدماء أو إشعال الصراعات، لأن الحدود التي صُنعت إنما صُنعت لتفتيت الأمة وخدمة الاستعمار.
وأشار إلى أن من مخططات الاستعمار البريطاني إقامة إمارات تحت كل بئر نفط لتكريس التفتيت، وأن شركات النفط في الخليج ترتبط بعوائل نافذة تستحوذ على الثروات، ما يؤدي إلى نهب الأموال واستمرار الاستغلال.
وتساءل سماحته عن أسباب الضجيج الذي أُثير بشأن إيداع خرائط حدودية بحرية قدّمها العراق إلى الأمم المتحدة، محذرًا من إعادة إنتاج أجواء كارثة احتلال الكويت، ومؤكدًا أنه لا يريد أي اختلاف بين العراق وأي دولة من دول الجوار، وأن إراقة الدم العراقي أو الكويتي أو الإيراني أو التركي إنما تصب في مصلحة العدو.
وشدد على أن من يعتمد على الأجنبي يتكبر على أخيه ويستعلي عليه، مستذكرًا تجربة النظام السابق وما آل إليه مصيره، ومحذرًا من الانسياق خلف أسلوب النظام السابق أو اتباع خطاه، لما في ذلك من خطر الوقوع في المنزلق ذاته.
وفي ختام خطبته، دعا المرجع الخالصي إلى توحيد الأمة في هذا الامتحان المصيري، والتكبير لنصرة فلسطين ولبنان والمجاهدين في اليمن، والعمل على إيقاف الحرب بين أفغانستان وباكستان، وإنهاء الأزمات بين العراق والكويت وسائر دول الجوار بالحكمة والكلمة الطيبة، سائلًا الله أن يجعل شهر رمضان شهر وحدة وتراحم وعودة صادقة إلى الإسلام والقرآن الكريم.